Von Neanderthal Museum

العربية

نصوص المعرض

تتوافق الأرقام الواردة في هذا الدليل مع أرقام نصوص المعرض.

Tunnel am Eingang der Dauerausstellung

1 اكتشاف غيّر العالم

هل كان الوادي يبدو دائماً كما يبدو اليوم؟

ماذا وجد العمال هنا عام 1856؟

لماذا أثارت بضعة عظام ضجة كبيرة؟

1.1

الوادي المفقود

كان وادي نياندرتال في الماضي خانقاً صخرياً برياً يكاد يشبه مشهداً من الحكايات الخيالية. ارتفعت منحدرات الحجر الجيري الشاهقة فوق الوادي، وغطت الخضرة الكثيفة السفوح، واندفع نهر دوسل عبر الممر الضيق.

كان منظراً يدهش الزوار ويلهم الفنانين.

في القرن التاسع عشر جذبت هذه الطبيعة الجميلة الرسامين ومحبي الطبيعة. لكن استخراج الحجر الجيري كان بداية تدميرها؛ ففي غضون عقود قليلة فقط اختفى المشهد الصخري المهيب بالكامل تقريباً.

منذ عام 1921 تخضع أجزاء من الوادي للحماية بوصفها محمية طبيعية. واليوم يُعد وادي نياندرتال موطناً مهماً للأنواع النباتية والحيوانية، ومكاناً لا يمكن فيه إلا تخيل جماله المفقود.

1.2

الاكتشاف

اكتُشفت عظام إنسان نياندرتال بالصدفة. ففي أغسطس 1856 أخرجها العمال بالمجارف من طين كهف فيلدهوفر. ووصف يوهان كارل فولروت الهيكل العظمي لاحقاً بأنه كان ممدداً على ظهره ورأسه باتجاه مدخل الكهف. ومن المرجح أن إنسان نياندرتال كان قد دُفن هنا.

غير أن استخراج الحجر الجيري دمّر الكهف، ونُسي موقعه الدقيق. ولم يُعثر على الموقع من جديد إلا في عامي 1997 و2000. وتحت أنقاض الحجر الجيري وجد علماء الآثار طين الكهف وأدوات وعظام حيوانات وبقايا بشرية أخرى. وتدل هذه البقايا على أن عظام فرد آخر من النياندرتال، ربما امرأة، كانت موجودة هنا أيضاً. كما يشير سنّ طفل إلى أن طفلاً كان في الكهف في وقت ما.

واليوم يحدد برج «هولن بليك» هذا المكان المميز.

1.4

اكتشاف قلب صورة العالم رأساً على عقب

لم تنسجم عظام وادي نياندرتال مع صورة العالم السائدة في القرن التاسع عشر. فقد رأى فولروت فيها بقايا إنسان قديم، أقدم من كل ما كان الناس آنذاك يظنون أنه ممكن. ولم يكن تفسيره مجرد فرضية علمية، بل قلب النظام الفكري للعالم رأساً على عقب.

كان الإنسان في ذلك الوقت يُعد كائناً ثابتاً لا يتغير: مخلوقاً على صورة الله، وتاج الخليقة، وفريداً بين جميع الكائنات الحية. ولذلك كانت فكرة وجود أشكال بشرية أخرى قبلنا فكرة تهز العالم وتتحدى المكانة الخاصة التي نُسبت إلى الإنسان.

وبعد ذلك بقليل وسّع تشارلز داروين هذا المنظور بنظرية التطور. فلم يعد الإنسان يقف فوق الطبيعة، بل أصبح جزءاً من تاريخ طويل من التغير والقرابة والتطور.

وهكذا أصبح اكتشاف عام 1856 لحظة محورية في تاريخ العلم، وأصبح وادي نياندرتال مهداً لعلم الإنسان القديم.

Nachbildung von verschiedenen Menschenarten auf Stammbusch in Ausstellung

2 رحلة عبر الزمن

ما الذي يجعلنا بشراً؟

متى ظهر الإنسان لأول مرة؟

كم يبلغ عمر الكوكب الذي نعيش عليه؟

هل كنا دائماً وحدنا على الأرض؟

2.1

الزمن والتطور

تجري مسيرة الحياة وتغيراتها عبر فترات زمنية يصعب على الإنسان تصورها. وكان تشارلز داروين مدركاً لذلك بالفعل: «إن تأمل هذه الحقائق يترك في الذهن أثراً يكاد يشبه أثر المحاولة العبثية لإدراك معنى الأبدية». (من كتاب «أصل الأنواع»)

منذ ما يزيد قليلاً على مئة عام فقط بدأنا نكوّن تصوراً عن العمر الحقيقي للأرض، وعن بداية وجود الحياة على كوكبنا، وعن مدى قِصر تاريخ الإنسان وأسلافه الأحفوريين مقارنة بذلك.

2.2

نهر البشر

نحن اليوم النوع البشري الوحيد على الأرض. وهذه حالة استثنائية في تاريخ التطور. فحتى انقراض إنسان نياندرتال كان يعيش دائماً أكثر من نوع واحد من أشباه البشر في الوقت نفسه.

الأحافير التي يمكن بواسطتها إعادة بناء تاريخ تطورنا نادرة. فبعض الأنواع لا نعرفها إلا من عظام منفردة، وبعضها الآخر من آثار الحمض النووي فقط. لذلك لا يُنظر إلى تطورنا اليوم كشجرة نسب، بل كنهر عريض يتفرع إلى مجارٍ جديدة قد تلتقي من جديد في وقت لاحق. فتطور الإنسان ليس عملية تسير نحو هدف محدد، بل هو نتيجة التكيف والمصادفة.

2.3

نوع واحد، ولا أعراق بشرية

كان أسلافنا ذوي بشرة داكنة، وكانت درجات اللون الداكن متنوعة حتى آنذاك. وبفضل علم الوراثة القديمة نعرف اليوم أن البشرة الفاتحة ظهرت في مرحلة متأخرة، بعد زمن النياندرتال وهجرة أوائل الإنسان العاقل إلى أوروبا بزمن طويل.

ألوان البشرة تكيفات مع اختلاف شدة أشعة الشمس. فقد كانت بشرة أقدم أشباه البشر فاتحة تحت الفراء. ومع فقدان الفراء تطورت البشرة الداكنة للحماية من الإشعاع الشمسي.

في المناطق الأقل تعرضاً للشمس تمنح البشرة الفاتحة ميزة في إنتاج فيتامين د. ويمكن لنظام غذائي يحتوي على الأسماك الدهنية والأحشاء أن يوفر كمية كافية منه أيضاً. ولهذا استطاع أسلافنا العيش زمناً طويلاً في مناطق قليلة الشمس من دون أن تكون بشرتهم فاتحة.

مهما اختلفت درجات لون البشرة اليوم، فنحن جميعاً ننتمي إلى نوع واحد ونتشارك أصلاً مشتركاً. ويرجع استخدام مفهوم «العرق» للبشر إلى أيديولوجيات عفا عليها الزمن. فالسلالات الحيوانية تنتج عن التربية الانتقائية، أما الأعراق البشرية فلا وجود لها من الناحية البيولوجية.

Rekonstruktion_Neanderthaler_Mr N & Mr 4%_homo neanderthalensis

3 الحياة والبقاء

كيف بدأ تاريخ البشرية؟

كيف كان عالم أسلافنا؟

ماذا حدث لإنسان نياندرتال؟

كيف وصل الإنسان إلى أوروبا؟

3.1

البدايات في أفريقيا

بدأ تاريخ البشرية في أفريقيا، وارتبطت بداياته بتغيرات البيئة الطبيعية. فبين تسعة وسبعة ملايين سنة مضت أدى تغير المناخ إلى تقلص الغابات الاستوائية المطيرة. وكانت أشباه البشر التي تسير على قدمين تتنقل بالفعل في البيئات المفتوحة حول البحيرات والأنهار.

بين 3.5 ومليوني سنة مضت أصبح مناخ أفريقيا أكثر برودة وجفافاً تدريجياً، مع فترات أكثر دفئاً بين الحين والآخر. وطورت أنواع مختلفة من أشباه البشر تكيفات متنوعة مع ظروف المعيشة المتقلبة. فعاشت في السافانا والغابات وعلى الشواطئ وحواف الغابات، وتغذت على الأعشاب والثمار والدرنات والحشرات. وانعكست تكيفاتها المختلفة في أشكال أجسامها المتنوعة.

3.2

التكيف والتغير

تتغير الأنواع باستمرار؛ ففي كل عملية تكاثر يُعاد مزج المادة الوراثية للأبوين.

يسمي علماء الأحياء هذه العملية إعادة التركيب الوراثي. وهي تؤدي باستمرار إلى ظهور أفراد جدد ومتفردين داخل النوع الواحد. كما قد تتغير المادة الوراثية نفسها؛ فالطفرات أيضاً تُنتج صفات جديدة وقد تسهم في نشوء أنواع جديدة.

كلما كان أحد هذه الأفراد أكثر تكيفاً مع بيئته، زادت فرص بقائه. فهو يستخدم الموارد المتاحة بكفاءة أكبر، ويحصل على غذاء أفضل، ويواجه الأخطار بنجاح أكبر. وغالباً ما يخلّف الأفراد الأكثر نجاحاً عدداً أكبر من الذرية، فتنتشر صفاتهم الوراثية تدريجياً داخل الجماعة.

3.3

البشر الأوائل

قبل نحو 2.5 مليون سنة ظهر جنس هومو، وبدأ فصل جديد من تاريخ البشرية مع هومو هابيليس، أحد أوائل البشر الذين صنعوا أدوات حجرية. أما هومو إريكتوس، الذي تعود أقدم بقاياه المعروفة إلى نحو مليوني سنة، فكان يحمل بالفعل سمات بشرية واضحة. وتشير دماغه المتطورة إلى قدراته الذهنية، كما كان قادراً على المشي لمسافات طويلة وازداد طول جسمه. وفي المقابل صغرت أسنانه وبدأ شعر جسمه يقل. وصنع أدوات متنوعة من الحجر والخشب واعتنى بصغاره عناية كبيرة. وانتشر من أفريقيا إلى آسيا وأوروبا. وتطور منه هومو هايدلبيرغنسيس، ومن هذا الأخير تطور إنسان نياندرتال.

3.4

إنسان نياندرتال والإنسان الحديث

يعرف علماء الأنثروبولوجيا الكثير عن إنسان نياندرتال (Homo sapiens neanderthalensis)، فقد عُثر على عظام له أكثر من أي نوع بشري أحفوري آخر. ويختلف هيكله العظمي عن هيكل الإنسان الحديث (Homo sapiens sapiens).

فعلى سبيل المثال كانت عظام النياندرتال قوية للغاية، ما يشير إلى عضلات شديدة القوة. ولم تكن في خدودهم الحفر التي لدينا، فبدت وجوههم أكثر بروزاً إلى الأمام. وبرزت حواف الحاجبين فوق العينين، كما كان الفك والأسنان قويين. وكثيراً ما كانت الأسنان الأمامية شديدة التآكل، ما يدل على احتمال استخدامها مثل «يد ثالثة». وكان حجم دماغهم أكبر من دماغنا.

3.5

لقاءات

نشأنا نحن، الإنسان العاقل العاقل، قبل نحو 300 ألف سنة في أفريقيا من نسل هومو إريكتوس الأفريقي. وبفضل قدرتنا الكبيرة على التكيف انطلقنا للانتشار في أنحاء العالم. وهكذا التقينا في آسيا وأوروبا أقارب بعيدين مثل إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفا، وهم من نسل موجات أقدم خرجت من أفريقيا. وصلنا إلى أوروبا قبل نحو 40 ألف سنة، وعشنا صيادين وجامعين للغذاء في العصر الجليدي مثل النياندرتال. وكانت أعدادهم قد انخفضت كثيراً بسبب التقلب المستمر بين الفترات الدافئة وشديدة البرودة. وتكشف مادّتنا الوراثية أننا تزاوجنا معهم أيضاً. لكن مناطق كثيرة كانت قليلة السكان جداً، لذلك لم يكن اللقاء يحدث دائماً. وقد أجبرت الظروف القاسية للعصر الجليدي أوائل الوافدين على التراجع، ولم نستقر في أوروبا إلا بعد انتهاء أبرد الفترات.

3.6

الإنسان والمناخ

أثر المناخ دائماً في ظروف حياة الإنسان. وخلال تعاقب الفترات الدافئة والباردة اضطر البشر مراراً إلى التكيف مع البيئات المتغيرة.

كانت التقلبات المناخية القصيرة في العصر الجليدي الأخير شديدة بوجه خاص، وأدت إلى برد وجفاف قاسيين. غطى الجليد أجزاء واسعة من أوروبا فأصبحت غير صالحة للسكن، وتراجع البشر نحو الجنوب والغرب والشرق. وأصبح البقاء أكثر صعوبة بالنسبة إلى النياندرتال الذين عاشوا في جماعات صغيرة، فانقرضوا قبل نحو 40 ألف سنة. ومع ارتفاع الحرارة في نهاية العصر الجليدي الأخير انقرضت أيضاً الثدييات الكبيرة في سهوب الماموث.

يستخدم باحثون من أنحاء العالم طرائق متنوعة لإعادة بناء مناخ الماضي، ويجمعون بذلك معلومات مهمة لفهم اتجاهات المناخ الحالية. ولا يمكن مقارنة التقلبات الطبيعية في العصور الجليدية بالتغيرات الراهنة؛ فالاحترار الحالي يتعزز ويتسارع بفعل النشاط البشري.

Werkbank mit Steinzeitwerkzeugen im Neanderthal Museum

4 الأدوات والمعرفة

هل الأدوات الحجرية حادة؟

هل استطاع إنسان نياندرتال إشعال النار؟

هل يستطيع الإنسان العيش من دون معادن؟

هل البشر وحدهم يستخدمون الأدوات؟

كيف صُنع هذا الثقب؟

4.1

منضدة المخترع

ترجع أصول كثير من اختراعات البشر التقنية إلى ماضٍ بعيد. وعلى مدى آلاف السنين تطورت هذه الاختراعات وتحسنت باستمرار باستخدام مواد وأساليب جديدة. وكان من التطورات التقنية المهمة جمع عدة أجزاء لصنع أدوات مركبة ذات قدرات أفضل بكثير. كما أتاح تحويل المواد، كما في صناعة الفخار ومعالجة المعادن، إنتاج مواد جديدة من صنع الإنسان.

لكن تحويل المواد على نطاق واسع وتصنيع مواد جديدة لم يبدأ إلا مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر واستخدام الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط. وفي ظل هذه الظروف الصناعية نمت المعرفة التقنية بسرعة كبيرة، وأصبحت الاختراعات الرائدة ممكنة خلال فترات قصيرة.

4.2

أدوات لصنع الأدوات

يعود أقدم دليل على استخدام الأدوات إلى نحو 3.3 ملايين سنة. ولم يكن جنس هومو موجوداً آنذاك. وربما صنع هذه الأدوات أفراد من أسترالوبيثيكوس أو كينيانثروبوس. واستخدموها لقتل الحيوانات أو كسر المكسرات. كما استُخدمت الأدوات الحجرية لصنع أدوات أخرى، فبدأت سلسلة متواصلة من صناعة الأدوات بواسطة أدوات أخرى. وهكذا وُضع أساس ثقافتنا المادية.

4.3

الأفكار المبتكرة في كل مكان

هل تجعلنا الأدوات مميزين؟ ليس تماماً. فكثير من الحيوانات تطور حلولاً مدهشة أيضاً. تستخدم الشمبانزي العصي لصيد النمل الأبيض، وتثني الغربان الأسلاك لصنع خطاطيف، ويبني الأخطبوط ملاجئ من الأصداف. إنها تراقب وتجرب وتكيّف سلوكها.

إذن فالابتكار لم يبدأ مع الإنسان. لكن الفكرة الجيدة لدى البشر تصبح شيئاً خاصاً؛ إذ تُشارك المعرفة وتُنقل إلى الآخرين وتتحسن باستمرار. ومن الأدوات البسيطة تنشأ التقنيات والتقاليد، وفي النهاية الثقافة.

4.4

لفّ، وثقب، وارتداء

ما قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى كان من أكثر أدوات العصر الحجري القديم تطوراً: المثقاب الحجري. فبقطعة صوان مدببة استطاع الناس ثقب العظام والأسنان والأصداف والعاج. وهكذا صُنعَت القلائد والخرز وغيرها من الحلي.

احتاج العمل إلى القوة والصبر والمهارة الكبيرة. وبالحركة الدورانية والرمل أو غيره من المواد الكاشطة صُنعت فتحات صغيرة ودقيقة. وتدل مكتشفات كهف غايسنكلوسترله في ألمانيا على أن الناس قبل نحو 40 ألف سنة جمعوا بالفعل بين المهارة التقنية والتعبير الرمزي. فلم تُستخدم الأدوات للبقاء فقط، بل ساعدت أيضاً على إظهار الهوية والانتماء والجمال.

Kopfkino Ausstellung Höhlenmalereien

5 الأسطورة والدين

هل توجد جماعات بشرية بلا أساطير؟

هل دفن إنسان نياندرتال موتاه؟

هل رسوم الكهوف أقدم الأعمال الفنية؟

من بنى المقابر الصخرية الضخمة؟

هل أديان العالم متعارضة بالضرورة؟

5.1

العودة إلى الجذور

منذ أقدم العصور تأمل البشر بداية العالم وأصلهم هم. وسُجلت التفسيرات المختلفة في روايات مقدسة تشكل جزءاً من كل ثقافة. وفي قصص الخلق تصوغ الآلهة أو الكائنات الخارقة العالم من الفوضى، فتخلق البحر والجبال والنباتات والحيوانات، ثم الإنسان أخيراً. وتنتقل هذه الأساطير من جيل إلى جيل، وتُقبل بوصفها حقائق، وتمنح الناس اتجاهاً في عالم يبدو هائلاً ومعقداً. وعلى خلاف النظريات الحديثة عن الانفجار العظيم والتطور، لا تعتمد هذه الأساطير على أدلة علمية، بل تُقبل كما هي.

5.2

العيش مع الموت

يدفعنا الموت إلى التفكير في الحياة. فهو لا ينهي حياة فرد فحسب، بل يترك فراغاً في الجماعة أيضاً. يفقد شخص شريك حياته، ويفقد الأطفال أحد والديهم، ويفقد أخ أخته. وتساعد الطقوس على تجاوز هذه الخسائر. فعندما يجتمع المشيعون بعد الدفن لإحياء ذكرى المتوفى أو لتناول الطعام، يقوى التضامن داخل الجماعة. وتبدأ بذلك عملية ضرورية: ملء الفراغ الذي خلّفه الموت وإعادة النظام الاجتماعي.

بحسب ما نعرفه، كان إنسان نياندرتال من أوائل البشر الذين واجهوا الموت بوعي. فقد حفروا القبور ودفنوا موتاهم.

5.3

كهوف مقدسة

يشهد فن الكهوف في العصر الجليدي على حياة روحية غنية.

استخدم إنسان نياندرتال الألوان قبل أكثر من 200 ألف سنة. وقبل أكثر من 60 ألف سنة رسم بالمغرة على جدران كهوف في إسبانيا. وخلال العصر الجليدي الأخير ظهرت مجموعة مدهشة التنوع من الرسوم والنقوش.

كانت الحيوانات التي شاركت البشر بيئتهم والرموز المجردة من أهم موضوعات الفنانين الأوائل. ويمكننا التعرف على الأشكال اليوم، لكن معانيها لا تزال مجهولة. وربما كانت أعماق الكهوف أماكن مقدسة لطقوس الانتقال أو احتفالات مهمة أخرى. ومع ذلك نجد الفن أيضاً عند مداخل الكهوف التي يصل إليها ضوء النهار وعلى الصخور المكشوفة في الهواء الطلق.

5.4

في كل زمان ومكان

صنع إنسان العصر الحجري أيضاً فناً يمكن حمله وعرضه في أي مكان. فقد صنع تماثيل صغيرة ونقوشاً على الحجارة وزيّن أدوات الحياة اليومية. ومن العمل الدقيق ظهرت أعمال فنية عالية الجودة وقوية التعبير.

تُعد التماثيل المنحوتة من عاج الماموث في جبال الألب الشفابية، والتي يزيد عمرها على 30 ألف سنة، أقدم الأعمال الفنية المعروفة التي صنعها الإنسان. وكما في فن الكهوف كانت الحيوانات الموضوع الأكثر شيوعاً. والاستثناء هو تماثيل النساء المصنوعة من الحجر أو القرون أو عاج الماموث أو الطين المحروق، وهي أحدث ببضعة آلاف من السنين. وقد عُثر عليها في مواقع تمتد من جنوب غرب فرنسا إلى بحيرة بايكال في سيبيريا. وتشير أوجه الشبه عبر هذه المسافات والفترات الكبيرة إلى الأهمية الثقافية لرمز «المرأة».

5.5

أماكن للموتى

يظهر التعامل مع الموتى في أنحاء العالم قدراً هائلاً من الإبداع. فقد أُنشئت أماكن وصُنعت أشياء ووُضعت طقوس وقواعد. وتُعد المقابر الصخرية الضخمة، أو الميغاليثية (من اليونانية: mega أي كبير، وlithos أي حجر)، التي بُنيت بعد العصر الجليدي حين استقر البشر، من أقدم الأماكن التي صنعها الإنسان لدفن الموتى عبر أجيال عديدة وللتواصل مع الآلهة في الوقت نفسه.

غالباً ما تشمل طقوس الموت معاملة خاصة لجسد المتوفى. كما أن نقل الجثمان إلى موضع الدفن يحمل معنى طقسياً أو اجتماعياً، وقد تتنوع طريقة الإيداع النهائي للبقايا تنوعاً كبيراً. وإضافة إلى ذلك قد تستمر الطقوس زمناً طويلاً بعد الوفاة نفسها.

5.6

الديانات العالمية

قبل نحو 5000 سنة نشأت أولى الديانات واسعة الانتشار في الشرق الأوسط ومصر. وكانت في معظمها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدولة معينة وحاكمها. واليوم ينتمي نحو 70 في المئة من سكان العالم إلى المسيحية أو الإسلام أو اليهودية أو البوذية أو الهندوسية أو الكونفوشية. وعلى الرغم من اختلاف الآلهة والمعتقدات والعادات، تشترك الديانات الكبرى في كثير من السمات؛ فلديها كتب مقدسة تتضمن تعاليم أساسية عن الدين والأخلاق الشخصية، ورجال دين يكرسون حياتهم للدين ونشره، ومبانٍ ضخمة تُعد مساكن أرضية للآلهة.

ولكثير من الديانات الكبرى شخصية مؤسسة أيضاً. فقد عاش هذا الشخص حياة تُحتذى، أو قام بدور «رسول إلهي» ينشر «كلمة الله».

Frau mit Audioguide vor ausgestopftem Wisent in der Ausstellung des Neanderthal Museum

6 البيئة والغذاء

ما مدى صحة إنسان نياندرتال؟

متى ظهر تسوس الأسنان لأول مرة؟

كيف يبدو التنقيب الأثري؟

كيف نعرف طريقة عيش البشر في العصر الحجري؟

6.1

الصيد وجمع الغذاء: شراكة مثالية

عاش البشر طوال مليوني سنة حياة الترحال. وتنقلوا في جماعات صغيرة، يصطادون الحيوانات ويجمعون ما توفره النباتات والأشجار من غذاء.

جمعوا الثمار والتوت والمكسرات والجذور والبيض والمحار والحشرات، وصادوا الثدييات والطيور والأسماك بمختلف أحجامها. وكانت القدرة على الحركة والمرونة مفتاح هذه الاستراتيجية المبكرة للبقاء. فالطبيعة توفر الغذاء في أوقات مختلفة من السنة وفي أماكن متباينة. وتكيف البشر الأوائل مع إيقاعات الطبيعة ودوراتها، فلم يمكثوا في المكان الواحد أحياناً سوى أسابيع قليلة. وكانت الجماعات صغيرة، تضم نحو عشرين إلى ثلاثين فرداً. وعند نقص الطعام كانت تنقسم، وعندما يكثر الغذاء كانت عدة جماعات تجتمع.

6.2

نجاح الكائن القارت

من الناحية البيولوجية، الإنسان كائن قارت. فالمكونات الأساسية لغذائنا، وهي الكربوهيدرات والدهون والبروتينات والفيتامينات والمعادن، موجودة في المملكة الحيوانية والنباتية معاً.

استفاد الإنسان من هذه المرونة بإبداع استثنائي، فنجح في البقاء في مختلف أنحاء العالم. ولم يوسّع تنوع غذائه فحسب، بل ابتكر أيضاً طرقاً جديدة لإعداده؛ فجعل السلق والطهو بالبخار والشواء الطعام ألين وأكثر استساغة. ومع التطور احتاج الإنسان إلى المضغ بدرجة أقل. ونتيجة لذلك صغر الفك وعضلات المضغ والأسنان تدريجياً عبر آلاف السنين. وهكذا تكشف وجوهنا تاريخ عاداتنا الغذائية.

6.3

الاستقرار

تغيرت علاقة البشر ببيئتهم عندما بدأوا الاستقرار في القرى. فلم يترك الصيادون وجامعو الغذاء المتنقلون أثراً واضحاً، وسرعان ما كانت النباتات تغطي موقع المخيم بعد مغادرتهم.

قبل 10 آلاف سنة أطلق زرع الأرض وتربية الحيوانات سلسلة من التغيرات ما زالت مستمرة حتى اليوم. فقد أدى توفر الغذاء بانتظام إلى ارتفاع معدلات الولادة. ومع ازدياد السكان كان لا بد من استصلاح مزيد من الأراضي للزراعة، فتراجعت أنواع نباتية وحيوانية. وهكذا تغير وجه الأرض بصورة جذرية.

هيمنت الحقول والمراعي على المشهد. وفي الأراضي العشبية الموحدة اليوم لم تعد أنواع كثيرة قادرة على البقاء. وتجرف الرياح والأمطار الطبقات العليا الخصبة من التربة في الحقول العارية، فيما تهدد الأسمدة والمبيدات مياه الشرب، ويزيد الري المكثف ملوحة التربة.

6.4

التنقيب والقياس والبحث

يؤدي التنقيب الأثري دائماً إلى تغيير موقع الاكتشاف بصورة لا يمكن عكسها. لذلك من المهم توثيق كل شيء بالتفصيل قبل بدء الحفر الدقيق بالمسطرين والفرشاة. فلا تُؤخذ القياسات وتُرسم المخططات فحسب، بل يُصوَّر الموقع ويُمسح رقمياً أيضاً. ويشارك علماء من تخصصات مختلفة في تحليل المكتشفات والبقايا. ويُفحص كل ما يُعثر عليه بعناية. ففي حالة الأدوات الحجرية مثلاً يُحدد مصدر الحجر: هل حصل عليه إنسان العصر الحجري في الموقع نفسه أم أحضره من مكان آخر؟ كما يدرس المختصون عظام الحيوانات والبشر بطرائق علمية. وتشبه نتائج البحوث المنفردة قطع الأحجية؛ فعندما تُجمع معاً تتيح لنا إعادة بناء الماضي.

Rekonstruktion_homo neanderthalensis_Neanderthaler Mädchen Kina

7 التواصل والمجتمع

هل اللغة خاصية بشرية فقط؟

هل كان دماغ إنسان نياندرتال مختلفاً عن دماغنا؟

هل تعرف جميع المجتمعات الأسرة النووية؟

هل التنافس بين البشر أمر لا مفر منه؟

هل وُجدت الفوارق الاجتماعية بين البشر دائماً؟

7.1

رواية القصص، أقدم الفنون

لم يستطع أقدم أشباه البشر التواصل إلا بالإيماءات وتعابير الوجه والأصوات البسيطة. ثم تطورت اللغة. ولأن اللغة لا تترك أحافير، لا يمكن إثبات وجودها إلا بطريقة غير مباشرة. وتشمل الشروط البيولوجية للكلام حجماً مناسباً للدماغ وتطورات تشريحية معينة في الحلق وجهاز النطق.

ربما كانت الشروط البيولوجية للكلام قد اكتملت بالفعل لدى هومو إريكتوس. فلم يعد ممكناً نقل المعرفة الواسعة بالبيئة الطبيعية والتقنيات المعقدة وقواعد الحياة اليومية، التي تراكمت عبر آلاف السنين، بالملاحظة والتعلم الاجتماعي أو بالإيماءات وحدها. وجعلت اللغة نقل المعرفة الجديدة المتزايدة من جيل إلى آخر ممكناً. ومن شبه المؤكد أن إنسان نياندرتال المتأخر استطاع الكلام بطريقة قريبة من طريقتنا اليوم.

7.2

الدماغ وتطور الإنسان

يبلغ حجم دماغنا، نسبة إلى حجم الجسم، نحو ثلاثة أضعاف حجم دماغ القردة العليا. وهو لا يمثل سوى نحو اثنين في المئة من وزن الجسم، لكنه يستهلك 20 في المئة من طاقته. وقد أسهم هذا العضو شديد الاستهلاك للطاقة في المكانة التي وصل إليها الإنسان. وكان نمو الدماغ سريعاً بمقاييس علم الأحياء؛ فمن أقدم أشباه البشر حتى هومو إريكتوس زاد حجمه إلى أكثر من الضعف.

ومع ازدياد حجم الدماغ ازدادت قدراته. فتحسن إدراك البيئة وتخزين المعلومات، وأصبح التواصل أكثر دقة. وبمساعدة الدماغ نشأ نظام ثقافي لحفظ المعلومات، يتميز بمرونة كبيرة وقابلية توسع غير مسبوقة.

7.3

الولادة في حالة غير مكتملة النمو

مقارنة بالأنواع الأخرى يولد جميع أطفال البشر في حالة مبكرة من النمو. فلا بد أن يأتي الطفل إلى العالم قبل اكتمال نموه كي يتمكن رأسه من المرور عبر قناة الولادة. ولو كان عليه بلوغ درجة نضج مماثلة لصغير الشمبانزي قبل الولادة، لاحتاج إلى البقاء عشرة أشهر إضافية في الرحم.

لذلك لا غنى عن رعاية الأم ومساعدة أشخاص آخرين. فعليهم دعم الطفل وأمه بصورة مباشرة وغير مباشرة، من خلال توفير الغذاء والموارد والأدوات والحماية. وإلى جانب مشاركة الأب وأفراد الجماعة الآخرين في رعاية الأطفال، يُعد دور الجدة أيضاً سمة بشرية مميزة. وبدأت الرعاية الجماعية للصغار، على أبعد تقدير، في زمن هومو إريكتوس. وأسهمت رعاية الأطفال في نشوء جماعات صغيرة لكنها وثيقة الترابط.

7.4

جماعات صغيرة، أثر كبير

الجماعات التي تتجاوز الأسرة النووية سمة مألوفة للمجتمعات البشرية. وكان أصغر هذه الوحدات الاجتماعية لدى الصيادين وجامعي الغذاء في أنحاء العالم يضم نحو 25 فرداً. وتؤكد حفريات مخيمات العصر الجليدي أعداداً مماثلة. وكانت هذه الجماعات الصغيرة أساس تطورنا الثقافي.

بفضل قدرة البشر الاستثنائية على الابتكار نشأ في أنحاء العالم تنوع هائل من العلاقات الأسرية والقواعد الاجتماعية. ولا يزال المجتمع المعاصر خاضعاً لهذه الديناميكية.

وتُعد «الأسر المركبة» مثلاً شكلاً حديثاً من أشكال الأسرة في الطبقة الوسطى.

7.5

رحلة إلى الوطن

يشترك جميع البشر الأحياء اليوم في سلف واحد عبر خط الأمومة.

في أعماق خلايانا آثار لأجيال مضت. وهي تتيح للباحثين تتبع علاقات القرابة عبر آلاف السنين وإعادة بناء قصة ماضينا المشترك.

تقودنا هذه الرحلة إلى أفريقيا، إلى جذورنا. ويذكرنا السلف المشترك بأن وراء الحدود والثقافات والاختلافات أصلاً واحداً ورابطة تجمع ثمانية مليارات إنسان في جميع القارات.

إن فهم المكان الذي جئنا منه يقود بطبيعة الحال إلى سؤال آخر: إلى أين نتجه؟

العربية | Neanderthal Museum